0

العلاقة بين عائشة وعلي رضي الله عنهما


(أ) علاقة عائشة رضي الله عنها بعلي رضي الله عنه:
تدَّعي الرافضة أن عائشة رضي الله عنها العفيفةَ الطاهرةَ كانت تكره عليًّا وتبغضه، وهذه فريةٌ ما بعدها فرية؛ فلو كانت عائشة رضي الله عنها تكرهه فكيف روَت فضائلَه؟!
أولًا: فقد روت حديث الكساء، الذي هو بيانٌ لفضل عليٍّ رضي الله عنه وفاطمةَ والحسنِ والحسين، فلو كانت عائشة تبغض عليًّا، وأنتم أيها الروافض تَرمونها بالكفر والارتداد، أما كانت تُخفي مثل هذه الأحاديث؟! أم أن هذه الأحاديث تدل على تقواها لله، وحفظها لسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم وحبِّها لعلي رضي الله عنه؛ فكيف يظن بها سوءًا بأنها تبغض عليًّا؟!

ثانيًا: كانت تُحيل السائل على علي ليجيبه، بل وتثني عليه:
ففي صحيح مسلم عن شريح بن هانئٍ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث[1].

وفي رواية قالت: ائت عليًّا؛ فإنه أعلمُ بذلك مني[2].

ثالثًا: بل كانت تحيل السائل إلى علي في أسئلةٍ تَعلم هي إجابتها، وما ذلك إلا لوثوقها بعلمه ومعرفتها لفضله؛ فعندما سُئلت: في كم تصلي المرأة من الثياب؟ قالت للسائل: سل عليًّا، ثم ارجع إليَّ فأخبرني بالذي يقول لك، فأتى عليًّا فسأله، فقال: "في الخمار والدرع السابغ"، فرجع إلى عائشة، فأخبَرها، فقالت: "صدَق"[3].

رابعًا: دعوتها إلى بيعة علي رضي الله عنه:
فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه دعَت عائشة رضي الله عنها الناس أن يَلزموا بيعة علي رضي الله عنه.

فعن عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعيِّ أنه سأل عائشة رضي الله عنها يوم الجمل، وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين، إني أتيتُك عندما قُتل عثمان، فقلتُ: ما تأمريني؟ فقالت له: الزم عليًّا[4].

عن الأحنف بن قيس قال: حجَجنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد - يعني: المدينة - فلقيتُ طلحةَ والزبير، فقلت: إني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولًا، فمن تأمراني به؟ قالا: علي، فقدمنا مكة، فلقيتُ عائشة، وقد بلغَنا قتلُ عثمان، فقلت لها: من تأمريني به؟ قالت: علي، قال: فرجعنا إلى المدينة فبايعت عليًّا ورجعت إلى البصرة[5]؛ وقد صحح الحافظ إسناد هذه الرواية[6].

فكيف تعتقدون أنها بعد ذلك خرجَت لتحاربه، وهي التي نشرت فضائله؟!

خامسًا: ثناؤها عليه مع ذِكر فضائله أيضًا:
فعن أبي إسحاق المزكِّي، عن جُميع بن عُمير، عن عمَّته قالت: سألتُ عائشة: مَن كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: فاطمة (عليها السلام)، قالت: إنما أسألك عن الرَّجل، قالت: زوجُها، وما يمنعه؟! فوالله إن كان - ما علمتُ - صوَّامًا قوامًا[7].

وقد روى الشيعة هذا الأثرَ في كتبهم[8]، وسيأتي[9].

وعن ابن عقدة، عن يعقوبَ بن يوسف الضبِّي، عن عُبيد الله بن موسى، عن جعفرٍ، عن الشَّيباني، عن جميع بن عمير، قال: قالت عمَّتي لعائشة - وأنا أسمعُ -: لله أنت! مسيرك إلى عليٍّ ما كان؟ قالت: دعينا منك؛ إنه ما كان من الرجال أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عليٍّ عليه السلام، ولا من النساء أحبَّ إليه من فاطمة عليها السلام[10].

(ب) علاقة علي رضي الله عنه بعائشة رضي الله عنها:
وكما كان هذا هو ثناء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على عليٍّ رضي الله عنه؛ فكذلك كان يُثني عليها، ويعرف فضلها:
أولا: يقر عليٌّ بفضلها:
ففي وقعة الجمَل أرسل علي رضي الله عنه عمارَ بن ياسر ومعه الحسنُ بن علي رضي الله عنهم إلى الكوفة، فقام عمَّار بن ياسر رضي الله عنه على منبر الكوفة، وقال: "والله إنها لزوجة نبيِّكم في الدنيا والآخرة"... الحديث[11].

والواضح أن الحسن أقرَّ عمارًا في مقولته، ولا يُعلم أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه اعترض على مقولته.

ثانيًا: بل ثبت نحوه في مجلس علي رضي الله عنه؛ فقد ثبَت أن رجلًا وقع في عائشة رضي الله عنها وعابها، فقال له عمَّار: "اغرب مقبوحًا منبوحًا! أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فأنا أشهد أنها زوجته في الجنة"، بين يدَي عليٍّ[12]، وعليٌّ ساكن.

أرأيتم يا عباد الله موقف علي بن أبي طالب وابنِه الحسن بن علي يُقرَّان لعائشة بأنها زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة؛ مما يدل على توقيرهما لها، ومعرفتهما لفضلها، فكيف يُقال: إن بينهما عداءً أو بغضاء؟! فدعوا عن أنفسكم هذه الترَّهات التي ألقاها الشيطان في قلوبكم، والله المستعان.

ثالثًا: علي لا يهمل ذكر عائشة في روايته للحديث:
فقد تقدم حديث علي رضي الله عنه عندما ذهبَت فاطمةُ رضي الله عنها تسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم خادمًا، وأنها لم تصادفه فذكرَت ذلك لعائشة.

فها هو علي بن أبي طالب هو الذي يَروي لنا الحديث، ولا يُهمل تلكم الصِّلة التي كانت بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما؛ لعِلمه بفضلهما وشدَّة العلاقة والمحبةِ بينهما.

رابعًا: علي يستشهد بعائشة في حديثه:
عن عاصم بن كُليب، عن أبيه قال: كنتُ جالسًا عند علي رضي الله عنه إذ دخل عليه رجلٌ عليه ثياب السفر، فاستأذن على عليٍّ رضي الله عنه وهو يحكم الناس، فشُغل عنه، فقال علي رضي الله عنه: إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعنده عائشة رضي الله عنها - فقال: ((كيف أنتِ وقومُ كذا وكذا؟)) فقلت: الله ورسوله أعلم، ثم عاد، فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((قومٌ يَخرجون من قِبَل المشرق، يقرَؤون القرآن لا يُجاوز تراقِيَهم، يَمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرميَّة))... الحديث[13]، وفي رواية: "ليس عنده أحدٌ إلا عائشة".

فقد دلَّ هذا الحديث على أنه لم يكن في قلب أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب شيءٌ على عائشة، وهذه الحادثة كانت بعد وقعة الجمل؛ لأن قتال الخوارج كان بعد وقعة الجمل كما هو معلوم، وفي هذا أكبرُ ردٍّ على الروافض الذين يطعنون في عائشة رضي الله عنها، ويزعمون وجودَ عداوة بينها وبين علي رضي الله عنه، وهو بريءٌ من أقوالهم هذه.

خامسًا: والأعجب من هذا أنه قد ورد في كتب الشيعة أن علي بن أبي طالب يروي عن عائشة؛ فعن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيَّر نساءه فاختَرن الله ورسولَه فلم يمسكهن على طلاق، ولو اخترنَ أنفسَهن لَبِنَّ، فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبي عن عائشة، وما للناس وللخيار؟! إنما هذا شيء خصَّ الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وسلم[14].

لقاء كله صفاء وود:
انظر إلى هذه المواقف الطيبة النقية التي تدل على علاقة حسنة بين عليٍّ وعائشة رضي الله عنهما؛ وذلك بعد وقعة الجمل، فقد أثنى كلٌّ منهما على الآخر؛ مما يدل على عدم وجود ضغينة بينهم، وسيأتي بيان ذلك[15].

وأما دعوى الشيعة أنها خرجَت على علي رضي الله عنه وقاتلَته، فهذا واللهِ عينُ الكذب.

والبرهان على كذب هذا الادعاء فيما يلي:
(1) ليس هناك أدنى دليل على أنها خرجت على إمامِ زمانها، أو أمرَت بالخروج عليه، بل كانت تأمر بالبيعة لعليٍّ كما تقدَّم، وإنما كان خروجها إلى البصرة للإصلاح بين المسلمين، لا للقتلى، لكن حدثَت الفتنة التي طاشت بهم يمينًا وشمالا، والتي ما زالت آثارُها السيئة إلى يومنا هذا.

(2) إذا كانت عائشة رضي الله عنها خرجت لقتال عليٍّ فلماذا توجَّهَت إلى العراق؟! لقد كان عليٌّ بالمدينة وكان يمكنها أن تذهَب لتقاتله بالمدينة، بدلًا من الذهاب للبصرة، وهذا يؤكِّد أنها ما خرجَت للفتنة؛ بل خرجت للإصلاح.

(3) عندما وصلت رضي الله عنها إلى البصرة استقبلَهم حكيم بن جبلة أحد الخوارج، الذين خرجوا على إمام زمانهم: عثمان بن عفَّان حتى قتلوه ظلمًا وعدوانًا.

فقد استقبلهم حكيم بن جبلة وأعوانه بالسيف، فحاربتهم عائشة رضي الله عنها، وهذا يدلُّ على أن أصحاب الفتنة هم قتَلة عثمان رضي الله عنه، وليس عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وسوف أبيِّن الشبهات التي أثيرت حول خروج عائشة رضي الله عنها، وموقفها من قتل عثمان رضي الله عنه في باب الردِّ على الشبهات.


[1] مسلم (276).
[2] المصدر السابق.
[3] رواه عبد الرزاق في المصنف (2/ 138) (5029).
[4] رواه ابن أبي شيبة (72/ 545)، وقال الحافظ في الفتح: "بسند جيد"؛ "فتح الباري" (13/ 57).
[5] عزاه الحافظ إلى الطبري، ولم أجده فيه بعد البحث، فلعله في غير التفسير.
[6] فتح الباري (13/ 34).
[7]واه الترمذي (3874)، وحسنه، وصححه الحاكم (3/ 157)، ولم يتعقبه الذهبي، لكنه قال في السير: ليس إسناده بذلك.
[8]نظر أمالي الطوسي (254)، وكشف الغمة (1/ 244)، والبحار (32/ 272) (38/ 313).
[9] انظر ص75.
[10] انظر أمالي الطوسي (341)، والطرائف (30)، والبحار (35/ 222).
[11] لبخاري (6687)، (6688).
[12] رواه الترمذي (3888)، وحسَّنه، والحاكم (3/ 444)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[13] إسناده حسن: رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (2/ 470)، وفي السنة (1458/ 1460).
[14]الكافي (6/ 137)، تهذيب الأحكام (8/ 88)، والاستبصار (3/ 312)، وسائل الشيعة (22/ 92)، بحار الأنوار (22/ 212) قال المجلسي: موثق.
[15] انظر الرد على الشبهات في جوابي على رد شبهة خروجها على أمير المؤمنين، وأنها أشعلَت نار الفتنة.

إرسال تعليق

 
Top